محمد بن أحمد الفاسي

414

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

أمهات أولاد ؟ وما ولد منكم بعد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أفضل من علي بن الحسين ، وهو لأم ولد ، وهو خير من جدك حسن بن حسن ، وما كان فيكم بعده مثل ابنه محمد بن علىّ ، وهو خير منك ، ولدته أم ولد . وأما قولك : إنا بنو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فإن اللّه تعالى يقول : ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً [ الأحزاب : 40 ] ولكنكم بنو ابنته ، وهي امرأة ولا تحوز ميراثا ، ولا ترث الولاء ، ولا يحل لها أن تؤم ، فكيف تورث بها إمامة . ولقد ظلمها أبوك بكل وجه ، فأخرجها نهارا ، ومرضها سرا ، ودفنها ليلا . فأبى الناس إلا تقديم الشيخين وتفضيلهما . ولقد كانت السنة التي لا اختلاف فيها : أن الجد أب الأم والخال والخالة ، لا يرثون ولا يورثون . وأما ما فخرت به من علىّ وسابقته ، فقد حضرت النبي صلى اللّه عليه وسلّم الوفاة ، فأمر غيره بالصلاة ، ثم أخذ الناس رجلا بعد رجل ، فما أخذوه . وكان في الستة من أصحاب الشورى ، فتركوه كلهم : رفضه عبد الرحمن بن عوف ، وقاتله طلحة والزبير ، وأبى سعد بيعته وأغلق بابه دونه ، وبايع معاوية بعده ، ثم طلبها علىّ بكل وجه . فقاتل عليها ، ثم حكم الحكمين ، ورضى بهما ، وأعطاهما عهد اللّه وميثاقه ، فاجتمعا على خلعه . واختلفا في معاوية ، وسالمه الحسن ، وباع الخلافة بخرق ودراهم ، وأسلم شيعته بيد معاوية ، ودفع الأموال إلى غير أهلها ، وأخذ مالا من غير ولاته . فإن كان لكم فيها حق ، فقد بعتموه وأخذتم ثمنه ، ثم خرج عمك الحسين بن علىّ على ابن مرجانة . وكان الناس معه عليه ، حتى قتلوه وأتوه برأسه ، ثم خرجتم على بنى أمية ، فقتلوكم وصلبوكم على جذوع النخل ، وأحرقوكم بالنيران ، ونفوكم من البلدان ، حتى قتل يحيى بن زيد بأرض خراسان ، وقتلوا رجالكم ، وأسروا الصبية والنساء ، وحملوهم كالسبى المجلوب إلى الشام ، حتى خرجنا عليهم ، فطلبنا بثأركم ، وأدركنا بدمائكم ، وأورثناكم أرضهم وديارهم وأموالهم ، وأردنا إشراككم في ملكنا فأبيتم إلا الخروج علينا ، وأنزلت ما رأيت من ذكرنا أباك ، وتفضيلنا إياه ، أنا نقدمه على العباس وحمزة وجعفر ، وليس كما ظننت ، ولكن هؤلاء سالمون ، مسلم منهم ، مجتمع بالفضل عليهم ، وابتلى أبوك بالحرب ، فكانت بنو أمية تلعنه على المنابر ، كما تلعن أهل الكفر في الصلاة المكتوبة ، فاحتججنا له ، وذكرنا فضله ، وعنفناهم ، وطلبناهم فيما نالوا منه . وقد علمت أن المكرمة في الجاهلية سقاية الحاج الأعظم ، وولاية بئر زمزم ، فصارت للعباس من بين إخوته . وقد نازعه فيها أبوك ، فقضى بها لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فلم نزل نليها في الجاهلية والإسلام .